Skip to main content

قانون سقارة

 

تروي لي صديقتي الأمريكية أحد ذكرياتها طفولتها البعيدة في إحدى البلدات الصغيرة في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي ، عندما أجبرها جدها و هي بعد لم تتم السادسة من عمرها أن تشارك معه و مع أصدقائه المتحمسين من الكنيسة في وقفة احتجاجية ضد أحد محلات المنتجات الجنسية الذي قرر أن يفتتح أبوابه أمام مخرج الطريق السريع لبلدتهم ، في محاولة لإضعاف الاقبال على المتجر و إجبار صاحبه على إغلاقه تفادياً للخسائر. و جاء اليوم المشهود و وقفت صديقتي ضمن مجموعة من المسيحين المتحمسين على الجانب الاخر من الطريق الذي يقع به المحل تحمل لافتات تدين ما يبيعه ، و بعد انتهاء الوقت المتفق عليه للوقفة رجع كل منهم الى حال سبيله.

 مرت أكثر من 25 سنة ، و مازال المحل قائماً رغم محاولات أبناء الرب المخلصة لإغلاقه.

لا أستطيع أن أحدد عدد المرات التي تذكرت فيها هذه القصة في الفترة الأخيرة ، اخرها مع فتاة سقارة . و قبلها مع فيديو الراقصة البرازيلية ، و قبلها مع فستان الممثلة رانيا يوسف ، و قبلها و بعدها عشرات المرات التي لا تعد و لا تحصى عندما قامت فيها دولة بعراقة "مصر" ممثلة في أجهزتها الأمنية و القضائية في ملاحقة أفراد بعينهم بداعي اساءتهم لما يسمى بـ"قيم الأسرة المصرية". المفارقة أن الغضب الشعبي لما تمثله هذه الحوادث من إهانة لشعوره الديني و مزاجه الاجتماعي المحافظ لم يكن ليتصاعد لو لم تنتشر أصلاً هذه المقاطع في الأساس. و هو ما لم يكن يحدث أصلاً لولا مشاركة و "تشيير" أفراد هذا الشعب نفسه لها !

لا أقدر إلا أن أتأمل في رد فعل سكان تلك البلدة الأمريكية الصغيرة - و هم بالمناسبة على عكس ما قد يكون سائداً في مصر من انطباع خاطيئ عن الاجانب و انحلالهم الأخلاقي - هم متدينين أشد التدين ، و بين رد فعل شعبنا المصري المتدين بطبعه. لماذا وقف سكان البلدة الفلاحون و العمال البسطاء في وقفة احتجاجية و لم يحاولوا مثلاً أن يدمروا المحل ؟ أو أن يقوموا بابلاغ السلطات لاغلاقه ؟ أو ضبط و إحضار مالكه كما نادى حماة الدين و الأخلاق في بلادنا بحق فتاة سقارة و مصورها المسكين ؟

الجواب لمنتهى البساطة هو : القانون.

بديهياً : هناك فارق شاسع بأن أن يكون فعل ما منافٍ لتفسير ديني معين ، أو لمفهوم أخلاقي لجماعة من البشر ، و بأن يكون هذا الفعل مجرم قانوناً. قد لا يعجب هذا الغالبية العظمى ، و لكنه واقع الأمر و يجب تقبله كجزء من العيش في دولة القانون ، كما فعل سكان تلك البلدة الأمريكية الذين لا يطيقون مجرد المرور من أمام المحل المشين و لكنهم مجبرون على تقبل وجوده ببلدتهم على الرغم من تعارضه الصارخ مع كل ما يؤمنون بها ، و السبب بسيط : أنهم مدركون أن وجوده "قانوني".

إذن لماذا لا تسن الدولة قوانين تجرم كل ما يعكر مزاج مواطنيها و يجرح شعورهم الديني أو الأخلاقي أو يؤثر على قيمهم الأسرية ؟

دعنا نتخيل مثلاً أن دولة ما قررت أن تسن قانوناً لكل ما يعكر مزاج كل فرد من مواطنيها ، و لنفترض جدلاً ان هذه الدولة يعيش به 5 جماعات من البشر أفرادهم متطابقة تماماً في التفكير ، و لكن هذه الجماعات مختلفة تماماً عن بعضها. إذن ستضطر هذه الدولة لسن خمس قوانين مختلفة لكل واقعة. ثم ستضطر للجوء للسلطة التنفيذية للتأكيد على إنفاذ هذه القوانين و تطبيقها. النتجية ستكون سيناريوهان لا ثالث لهما.

إما ستضطر السلطة التنفيذية لتعيين فرد شرطة لكل مواطن للتأكيد على عدم خرق أيا من هذه الحزمة الضخمة من القوانين. و هو ما تم تطبيقه بنجاح ساحق في جمهورية كوريا الشمالية الصديقة.

أو ستظل السلطة التنفيذية بنفس تجهيزها و عددها ، و مع استحالة التزام افراد الشعب بهذا الكم من القوانين سيتم انتهاكها من قبل الجميع بشكل دائم حتى تصبح كأنها و العدم سواء ! بل و الأخطر : أن مفهوم القانون نفسه سوف يصيبه ضرر قد لا يمكن إصلاحه.

المسألة لا تكمن في استدعاء الدولة و قوانينها في كل ما لا ينطبق على بوصلتنا الأخلاقية ، المسألة الأهم هي إدراك كل مرة من مرات هذا الاستدعاء يفقد الأفراد جزءاً - و لو ضئيلاً- من حرياتهم ، و أن الجزء الأساسي في أن تكون "مواطناً" في دولة حديثة هو استيعابك أن الحياة بمفهومها الواسع أشمل و أعم من العيش مع أصدقائك أو عائلتك أو حتى أهل قريتك. الحياة في "دولة" هو أقرار ضمني بالموافقة على العيش مع من هم مختلفون عنك.

 

 

 

 

 

Comments

Popular posts from this blog

الدرس انتهى لموا الكراريس- ذكرى بحر البقر

في مثل هذا اليوم منذ ٤٠ عاماً...بالتحديد في الثامن من ابريل عام ١٩٧٠ .....قامت الطائرات الاسرائلية بقصف مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر مما أدى إلى استشهاد نحو ثلاثين طفل لا يتعدى عمرهم ال ١٠ أعوام إصابة أكثر من خمسين طفلاً بجروح وإصابات بالغة خلفت عدداً من المعوقين.. فقط نذكر بهذا اليوم حتى لا ننسى الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال في قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الاطفال ايه رايك في البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى دى لطفلة مصرية سمرا كانت من اشطر تلاميذى دمها راسم زهرة راسم راية ثورة راسم وجه مؤامرة راسم خلق جبارة راسم نار راسم عار ع الصهيونية والاستعمار والدنيا اللى عليهم صابرة وساكتة على فعل الاباليس الدرس انتهى لموا الكراريس ايه رأى رجال الفكر الحر في الفكرة دى المنقوشة بالدم من طفل فقير مولود في المر لكن كان حلو ضحوك الفم دم الطفل الفلاح راسم شمس الصباح راسم شجرة تفاح في جناين الا...

انتظار بلا منتَظَر - (إكتب)

- أريد أن آكتب. - إذاً فلتكتب. لا تهم المسميات. إكتب. عبر عما بداخلك. إترك بصمتك في الحياة. قيمة الإنسان -كما أعتقد- في الفرق الذي يحققه في حياة الآخرين. الكتابة هي أحد سبل تحقيق ذلك إكتب. تخلص من الجلد الدائم للذات و تسفيه أفكارك و آرائك و أسلوبك. لعلك جيد فيما تظن نفسك فيه سيئا. لديك شيئا تضيفه فضفه ! هل هناك طريقة أخرى لاختبار الأفكار والخيالات سوى عرضها على المشاع ؟ بتلاقيها مع أفكار و أراد غيرك قد تستطيع بالفعل أن تقترب من كشف قيمتها. إكتب و تخلص من جبنك و حساسيتك. الحياة تحتاج جلدا سميكا. واجه الحياة بكتاباتك. إذا أردت أن تتقدم و تتطور فلا مجال إلا اختبار أفكارك و تفكيرك. اخرج من سجن عقلك. اكتب ..و دع الحكم للآخر.  إكتب. لن تعجب الجميع ، و لربما لن تعجب أحداً على الإطلاق. و لكنك ستكتب. لأنها طريقتك في إثبات وجودك. طريقتك في البحث عن هوية. اكتب لأنك تعبت من الانتظار. انتظار عبثي لا طائل منه. انتظار لوقت "مناسب" - أيا كان ما يعني ذلك ! - أو انتظار فكرة "مناسبة" أو انتظار  حدث يستفز -فيما تتوهم- قريحتك الفكرية على أمل أن تأتي بما لا جاء به من قبلك. إكتب. لأنه في...