Skip to main content

د. مدحت المسيري .....قصة تحكى



مازلت تتحسس خطواتك في ذلك الأسبوع الخريفي الثقيل من شهر سبتمبر ...يملؤك الخوف والتوجس من مستقبل مجهول ينتظرك ..بين ارجاء هذه المباني الجامدة...تلاحقك العيون أينما ذهبت ..عيون مستكشفة حيناً ...وعيون هازئة مستخفة في معظم الأحيان ....تحاول قدر امكانك التركيز في محاضراتك مع كل هذا الكم الرهيب من المعلومات ..ومع الزحام الخانق والحر الشديد . بين أستاذه تتعامل بتعال لا تفهمه ..واخرون يتعاملون بإستخفاف لا تخطئه عينك ...محظوظون هم من استطاعوا تكوين صداقات جديدة ب هذه السرعة...أو أولئك اللذين دخلواالكلية مع اصدقائهم بالفعل ......تتولى أيام هذا الاسبوع مغذية شبح الخوف من الفشل بداخلك أكثر وأكثر كل يوم ...و مؤججة نار الحيرة بداخلك كل يوم بين الإفراط والتفريط .

ولكنك مازلت تذكر هذا اليوم جيداً....تذكره لأن كان نقطة النور في هذا العام ....يوم دخل ذلك الرجل ذو الملامح الغربية إلى قاعة محاضراتك...وبدفء أبوي شديد بدأ يرحب بك وبزملاءك في الكلية ....معززاً ثقتكم بأنفسكم واللتي أوشكت على أن تفقد باكملها في أسبوع واحد ...ومحذراً(دون ترهيب ) من الإفراط أو اليأس ....ثم منزلقاً في خفة للبدء في مادته العلمية بعد ما إستحوذ على كل من فالقاعة.

مازلت تذكر أيضاً كيف أضحت هذه المحاضرة نموذجاً للمنحنى التصاعدي في الرياضات مع الزيادة المطردة في عدد الطلبة أسبوعاً تلو الأخر ....وهو يلقي كلماته على الجميع في هدوء وبساطة ...لا يقطع حديثه أحد...وبين الحين والحين يحدثك عن روح العلم والانجازات اللتي قامت بها البشرية على أساس هذه المعلومات التي يلقيها على مسامعكم الأن ....تتذكر كيف كنت هي المحاضرة الوحيدة التي لم يود أحد أن تنتهي أبداً ...تتذكر زميلك وهو يقول لك ضاحكاً : "لو أن هذا الرجل يعطي محاضرات فالصيف لحضر إليه الطلبة أيضاً ".

تقدم خطك في تردد وأنت تدلف إلى مكتبه أول مرة بعد إن استعصت عليك احد المعلومات في الفهم ...تمر أمامك تلك التجربة المريعة التي خضتها مع أحد الاساتذة من أيام عندما ذهبت لمكتبه طالباً المساعدة في أحد المواضيع...تخاف من أن يكون هذا هو عرف التعامل مع الطلبة في تلك المرحلة الجديدة ..ولكن ابتسامته الحانية في المحاضرات تمثل أمامك ...فتستحضر بعض الأمل في مقابلةٍ أفضل، .....تفاجئ بذلك العدد الكبير من زملاءك داخل المكتب....وهو فى القلب يضحك مع هذه ويوضح بعض المعلومات لذلك ..في بشر دون غضاضه أو ضيق ....يهدئ من روع أحد الطالبة المتوترين ويرد على سؤالك الثالث بنفس الأريحية اللاتي رد بها على الأول...يفاجئك وجود أحد كتب شكسبير وسط الكتب العلمية ...تشكره بعد السؤال السابع فيبتسم لك ويدعوك لزيارة مكتبه في أي وقت...تبتسم في حرج وتخرج رغماً عنك في هدوء.

لعلك تذكر أيضاً كيف كنت تحييه أينما لقيته بعد ذلك في الكلية طول دراستك فيها .....حتى وهو لا يدرسلك أي مادة ....كنت وقتما تمر أمام ذلك المبنى القديم وتجد ذلك الزحام تعرف أنه هو ولا أحد سواه في الداخل يزرع النور في نفوس مريديه وطلبته ....تبتسم وأنت تحكي لاصدقائك عنه فيبادرك احدهم بأنه أينما لقاه ..لا يملك الا أن يقف إحتراماً وتبجيلاً لهذه القامة.


ألان ...وبعد سنوات كثيرة ....يتطوع احدهم بعمل صفحة على الفيسبوك بإسمه ....يصبح عدد المعجبين ٣٥٠٠ معجب في أقل من اسبوعين....بل وتصبح الصفحة موجودة في أول صفحة من صفحة نتائج البحث عنه على محرك البحث جوجل ...دون تفكير تنضم للصفحة ....وتكتب له(عله يرى ذلك ) .."هذه مجرد محطة على الطريق ...محطة يصل إليها الانسان عندما يتخذ الطريق الصحيح في حياته .."

د مدحت المسيري - أستاذ الفيزياء الهندسية بكلية الهندسة- جامعة القاهرة ......شكراً جزيلاً ...



Comments

  1. http://www.youtube.com/watch?v=DhsWCamuxdU&feature=related

    هذا الفيديو يعرض احد محاضرات د/ مدحت

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

الدرس انتهى لموا الكراريس- ذكرى بحر البقر

في مثل هذا اليوم منذ ٤٠ عاماً...بالتحديد في الثامن من ابريل عام ١٩٧٠ .....قامت الطائرات الاسرائلية بقصف مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر مما أدى إلى استشهاد نحو ثلاثين طفل لا يتعدى عمرهم ال ١٠ أعوام إصابة أكثر من خمسين طفلاً بجروح وإصابات بالغة خلفت عدداً من المعوقين.. فقط نذكر بهذا اليوم حتى لا ننسى الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال في قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الاطفال ايه رايك في البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى دى لطفلة مصرية سمرا كانت من اشطر تلاميذى دمها راسم زهرة راسم راية ثورة راسم وجه مؤامرة راسم خلق جبارة راسم نار راسم عار ع الصهيونية والاستعمار والدنيا اللى عليهم صابرة وساكتة على فعل الاباليس الدرس انتهى لموا الكراريس ايه رأى رجال الفكر الحر في الفكرة دى المنقوشة بالدم من طفل فقير مولود في المر لكن كان حلو ضحوك الفم دم الطفل الفلاح راسم شمس الصباح راسم شجرة تفاح في جناين الا...

انتظار بلا منتَظَر - (إكتب)

- أريد أن آكتب. - إذاً فلتكتب. لا تهم المسميات. إكتب. عبر عما بداخلك. إترك بصمتك في الحياة. قيمة الإنسان -كما أعتقد- في الفرق الذي يحققه في حياة الآخرين. الكتابة هي أحد سبل تحقيق ذلك إكتب. تخلص من الجلد الدائم للذات و تسفيه أفكارك و آرائك و أسلوبك. لعلك جيد فيما تظن نفسك فيه سيئا. لديك شيئا تضيفه فضفه ! هل هناك طريقة أخرى لاختبار الأفكار والخيالات سوى عرضها على المشاع ؟ بتلاقيها مع أفكار و أراد غيرك قد تستطيع بالفعل أن تقترب من كشف قيمتها. إكتب و تخلص من جبنك و حساسيتك. الحياة تحتاج جلدا سميكا. واجه الحياة بكتاباتك. إذا أردت أن تتقدم و تتطور فلا مجال إلا اختبار أفكارك و تفكيرك. اخرج من سجن عقلك. اكتب ..و دع الحكم للآخر.  إكتب. لن تعجب الجميع ، و لربما لن تعجب أحداً على الإطلاق. و لكنك ستكتب. لأنها طريقتك في إثبات وجودك. طريقتك في البحث عن هوية. اكتب لأنك تعبت من الانتظار. انتظار عبثي لا طائل منه. انتظار لوقت "مناسب" - أيا كان ما يعني ذلك ! - أو انتظار فكرة "مناسبة" أو انتظار  حدث يستفز -فيما تتوهم- قريحتك الفكرية على أمل أن تأتي بما لا جاء به من قبلك. إكتب. لأنه في...

قانون سقارة

  تروي لي صديقتي الأمريكية أحد ذكرياتها طفولتها البعيدة في إحدى البلدات الصغيرة في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي ، عندما أجبرها جدها و هي بعد لم تتم السادسة من عمرها أن تشارك معه و مع أصدقائه المتحمسين من الكنيسة في وقفة احتجاجية ضد أحد محلات المنتجات الجنسية الذي قرر أن يفتتح أبوابه أمام مخرج الطريق السريع لبلدتهم ، في محاولة لإضعاف الاقبال على المتجر و إجبار صاحبه على إغلاقه تفادياً للخسائر. و جاء اليوم المشهود و وقفت صديقتي ضمن مجموعة من المسيحين المتحمسين على الجانب الاخر من الطريق الذي يقع به المحل تحمل لافتات تدين ما يبيعه ، و بعد انتهاء الوقت المتفق عليه للوقفة رجع كل منهم الى حال سبيله.   مرت أكثر من 25 سنة ، و مازال المحل قائماً رغم محاولات أبناء الرب المخلصة لإغلاقه. لا أستطيع أن أحدد عدد المرات التي تذكرت فيها هذه القصة في الفترة الأخيرة ، اخرها مع فتاة سقارة . و قبلها مع فيديو الراقصة البرازيلية ، و قبلها مع فستان الممثلة رانيا يوسف ، و قبلها و بعدها عشرات المرات التي لا تعد و لا تحصى عندما قامت فيها دولة بعراقة "مصر" ممثلة في أجهزتها الأمنية و القضائية في ملاحق...