Skip to main content

..حزمني يا



لا أدري لماذا تذكرت إليوم في ذلك المشهد المعبر من مسرحية "حزمني يا" والذي كان يطل علينا في بيوتنا يومياً في اواخر التسعينات من القرن الماضي إبان عرض المسرحية من خلال اعلانها التليفزيوني (كان اسمها في بدئ العرض "حزمني يا بابا" و لكن دعاة الفضيلة في بلدنا رأي أن في ذلك مهانة لقيمة الأب أن يقوم بتحزيم بنته فحذفوا كلمة"بابا" !..ذلك بالطبع قبل أن يقوم أحد ال" باباهات" في وقت ما بعد ذلك بالدفاع عن بنته في الفضائيات بعد أنا تزوجت عرفياً من أحد الممثلين الشباب و حملت منه و رفض هو أن يعترف بالطفل !)... تذكرت ذلك المشهد عندما يظهر محمد هنيدي -الممثل الشاب النصف مشهور وقتها- أمام الممثل القدير حسن حسني - والذي كان قديراً حينها بسبب شعره الأبيض لا أكثر ولا أقل وذلك لندرة اعماله قبل هوجة الأفلام الكوميدية ما بعد" اسماعيلية رايح جاي"- يقف هنيدي أمامه مرتدياً نفس الزي..المصري الأصيل ...جلابية مخططة من قماش الكستور -الذي لا أعتقد أن دولة في العالم إستخدمته في صنع البيجامات والجلاليب كما فعلنا- وطاقيه من نفس قماش الجلابية واللتي كانت معظم سيدات البيوت في مصر يقمن بحياكتها من الجلابية نفسها بحكم إن الجلابية دائماً ما تكون أطول بقليل ممن سيرتديها ....يقف هنيدي أمامه ويبدو على حسن حسني قمة المفاجئة ...وهو يسأله "إنت مين ؟؟؟" ..فيرد عليهي هنيد بكل ثقة..."أنا قرينك يا زواوي"....فيرد حسن حسني بكل تلقائية "اشمعنى أنا قريني إلي يطلع قصير !" .....

لم يتعجب حسن حسني من إجابات هنيدي-وكأننا نلقي العفاريت كل يوم -ولم يشكك فيها أيضاً ....بل ولم يستعجب من كونه إلتقى قرينه بعد ما بلغ من العمر أرذله ....لم يتناقش أصلاً في ماهية القرين ....كل ما أثر حنقه أن قرينه طلع قصير !!!!!!

ثقافة "اشمعنى " !!!!!....يعني نحن كمصريين مستعدين أن نتعرض لأي شيء ...أي شيء كان .....ولكن إذا رأينا جار أو صاحب أو صديق أو حتى غريب لا يعاني من نفس الشيء...وقتها فقط نبدأ في التذمر !!!

هذا بالضبط ما حدث بعد عقوبات الفيفا على مصر اثر أحداث الشغب ضد حافلة المنتخب الجزائري ...والتي ثبت أنها حدثت بالفعل بعد كمية الكذب والتضليل التي تعرضنا لها لمدة ٦ شهور متواصلة !!!!كان جزء كبير من الغضب الشعبي والإعلامي بسبب هذا -وهو شيء لا أنكره- ولكن كان هناك قطع عريض من الشعب يرى "واشمعنى هما محصلهمش حاجة بعد إلي عملوه في السودان !!!!"مرة أخرى.."اشمعنى"!!!!!!

ولثقافة اشمعنى خاصية غريبة عجيبة ...فهي لا تظهر إلا في المصائب والكوارث اللتي تصيبنا ...وهو مايجعلك تتسائل عن هذا الحقد والغل والسواد الذي نعبئه في نفوسنا..فنحن مثلاً لم نتسائل..لماذا أصبحت دولة مثل كوريا- كنا نبعث لها بمعونات منذ أقل من ٥٠ سنة-...أغنى و أكثر رفاهية مننا ...ولم نتذمر على المقاهي و في البيوت و نحن نرى الديمقراطية في الهند بعدد سكانها الذي يساوي أكثر من عددنا مضروبا في ١٠ .....ولماذا تقول إيران لأمريكا "لا" بكل صفاقة ورئيسنا المبجل يرى معارضة - مجرد معارضة - أمريكا في رأيها كمن يضع رأسه في فم الأسد !!!!!! ( يمكن الأسد بيحب اللحم المصري مش الإيراني ..الله أعلم !)

لا أريد أن اتجنى على "اشمعنى" ..وثقافتها المتوغلة في أعماقنا ....بل وأزعم أنه في وقت ما قبل ٣٠ سنة أو أكثر قليلاً ...كنا نقول اشمعنى مثلاً بجانبها الإيجابي أيضا .كنا نقول إشمنعى مثلاً عندما تصل كل دول شمال افريقيا لكأس العلم مرة وإثنان وثلاثة ونصل نحن مرة يتيمة في أخر ٦٠ سنة بعد طلوع الروح كنا نقول اشمعنى عندما يسافر أحدنا بلد أجنبي وينبهر بالنظافة والرقي ...ويقارن بالوضع المزري في بلدنا..أملا أن نصبح مثلهم في يوم ما .......كنا نقول اشمعنى أيضا عندما نسمع عن واسطة لإبن مسؤول معين بتعين في أحد الوظائف اللتي تقدم إليها عشرات الشباب يتفوق نصفهم عليه في كل شيء ويتفوق هو عليه كلهم في إسمه الأخير فقط ...!!! ....كنا نقول اشمعنى علها تدفعنا للامام..أو بدافع الغيرة على الأقل ....ولكن..على العكس من ذلك ...اصبحنا نقولها فقط في المصائب ..لم نعد نتمنى لأنفسنا الخير الذي أصاب غيرنا ..و لم نعد نشعر بأي ضيق من حق أصيل لنا اغتصبه الغير بدون أدنى وجه حق ...اصبحنا نقول اشمعنى -فقط- لأن شر أصابناو يا للعجب !!!- لم يصب غيرنا !!!!!!

لقد توغل الفساد والعطن في جسد بلادنا ...نخر في عظمها ولوث جميع شرايينها...تهاوت جميع مكونات الدولة وسقطت في مستنقع من العفن يبدو أنه لا أمل من فرج قريب منه ....بل ويبدو اننا لازلنا ننحدر إليه أكثر وأكثر ..ونزداد غرقاً فيه مع مرور الأيام ....بل و نضح على حياتنا المادية فأوشكت مدننا على الغرق في بحور من القمامة اصبحنا حتى لا نشمئز منها ...و فسد الطعام بكل أنواعه ..تلوث الهواء في كل براح ....وحتى الماء أوشكنا على فقدانه ...رحمة به ..بعد ما يئس من تنظيف كل هذه القذارة التي غطت الأرواح قبل الأجساد.....

لقد خسرنا -بالفعل- بعضاً من الجوانب الإيجابية لثقافة "اشمعنى " ...ولكن للأسف ...هذا أهون شيئ خسرناه.


Comments

  1. اولا اشمعنى حزمنى يا
    بهزر هاهاها
    انا معاك فى كل الى بتقوله وفعلا انا لاحظت الحكاية دى فينا مش بس الناس الى حولينا وده مش غريب ما احنا عايشين معاهم من زمان بس اكيد فى امل لان لو مفيش مش حنقدر نكمل حياتنا وحنشوف الحياة سودا اكتر انا فى راى ان احنا فى انتظار حدث كبير حيخلى الناس تصحى من الغفلة دى لان مش ممكن الفساد ده كله يستمر من نغير ما تنهار البلد والنظام كله لان مفيش زجاج يفضل مشروخ على طول لازم حيتكسر فى يوم من الايام

    ReplyDelete
  2. I believe that we say it as a reaction to our inability to have what others had. Even a child says the word when you give his brother a gift and not him. It's a natural instinct. And since people have no control over what they can or cannot have, they whine like babies "اشمعنى هو وأنا لأ". This word shows how powerless we have become and how we are unable to do what want and have what we want, so we just keep mourning our pity lives instead of trying to do something and reach what we want.

    ReplyDelete
  3. btw ya sherif ,
    As far as i can remember, Ironically the Prosecution investigation then, reported that no way that glass could be broken from outside the bus for instance ya3ny :D ,

    @alaa

    this not always the case, sometimes you really can do nothing but to say "اشمعنى" only just to know why, my point is u may say it out of subdue or humiliation

    ReplyDelete
  4. عندما تكون انت صاحب القضية و لكنك لست متخذ القرار ... فثقافة اشمعنى هى الملاذ الاخير لارضاء ذاتك و الهروب من الكبت ... دى مشكلة الديمقراطية الموجودة فى البلد ... و لو بصيت احنا كشعب بنتعامل ازاى لتفريغ ما بنا من سخط و غضب تجاه اى قضية فساد او غش بتحصل فى البلد ... هتلاقى ان المنفس الوحيد لينا هو بعض الكلمات اللاذعة التى قد تصييب المسئوليين فى جرائد المعارضة او المواقف المحرجة التى قد يتعرضون اليها فى برامج التوك شو ... و لكن دون ان نصل لحل جذرى او محاسبة مسئول ... فنحن لا نهتم بحل المشكلة قدر اهتمامنا بنقضها و هذا بالظبط ما تمثله كلمة اشمعنى

    ReplyDelete
  5. اول مره اعرف ان اسم المسرحيه الاول كان حزمنى يا بابا ........
    كلامك فكرنى بكلام كان قاله مره ليا الدكتور بتاعى ان فى حاجات كتير عندنا عيوبها منذ التنشئه من الصغر وربط كلامك بكلامه وافتكرت زماان واحنا صغيرين دايما نقول اشمعنا...اشمعنا ...اشمعنا

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

الدرس انتهى لموا الكراريس- ذكرى بحر البقر

في مثل هذا اليوم منذ ٤٠ عاماً...بالتحديد في الثامن من ابريل عام ١٩٧٠ .....قامت الطائرات الاسرائلية بقصف مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر مما أدى إلى استشهاد نحو ثلاثين طفل لا يتعدى عمرهم ال ١٠ أعوام إصابة أكثر من خمسين طفلاً بجروح وإصابات بالغة خلفت عدداً من المعوقين.. فقط نذكر بهذا اليوم حتى لا ننسى الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال في قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الاطفال ايه رايك في البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى دى لطفلة مصرية سمرا كانت من اشطر تلاميذى دمها راسم زهرة راسم راية ثورة راسم وجه مؤامرة راسم خلق جبارة راسم نار راسم عار ع الصهيونية والاستعمار والدنيا اللى عليهم صابرة وساكتة على فعل الاباليس الدرس انتهى لموا الكراريس ايه رأى رجال الفكر الحر في الفكرة دى المنقوشة بالدم من طفل فقير مولود في المر لكن كان حلو ضحوك الفم دم الطفل الفلاح راسم شمس الصباح راسم شجرة تفاح في جناين الا...

انتظار بلا منتَظَر - (إكتب)

- أريد أن آكتب. - إذاً فلتكتب. لا تهم المسميات. إكتب. عبر عما بداخلك. إترك بصمتك في الحياة. قيمة الإنسان -كما أعتقد- في الفرق الذي يحققه في حياة الآخرين. الكتابة هي أحد سبل تحقيق ذلك إكتب. تخلص من الجلد الدائم للذات و تسفيه أفكارك و آرائك و أسلوبك. لعلك جيد فيما تظن نفسك فيه سيئا. لديك شيئا تضيفه فضفه ! هل هناك طريقة أخرى لاختبار الأفكار والخيالات سوى عرضها على المشاع ؟ بتلاقيها مع أفكار و أراد غيرك قد تستطيع بالفعل أن تقترب من كشف قيمتها. إكتب و تخلص من جبنك و حساسيتك. الحياة تحتاج جلدا سميكا. واجه الحياة بكتاباتك. إذا أردت أن تتقدم و تتطور فلا مجال إلا اختبار أفكارك و تفكيرك. اخرج من سجن عقلك. اكتب ..و دع الحكم للآخر.  إكتب. لن تعجب الجميع ، و لربما لن تعجب أحداً على الإطلاق. و لكنك ستكتب. لأنها طريقتك في إثبات وجودك. طريقتك في البحث عن هوية. اكتب لأنك تعبت من الانتظار. انتظار عبثي لا طائل منه. انتظار لوقت "مناسب" - أيا كان ما يعني ذلك ! - أو انتظار فكرة "مناسبة" أو انتظار  حدث يستفز -فيما تتوهم- قريحتك الفكرية على أمل أن تأتي بما لا جاء به من قبلك. إكتب. لأنه في...

قانون سقارة

  تروي لي صديقتي الأمريكية أحد ذكرياتها طفولتها البعيدة في إحدى البلدات الصغيرة في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي ، عندما أجبرها جدها و هي بعد لم تتم السادسة من عمرها أن تشارك معه و مع أصدقائه المتحمسين من الكنيسة في وقفة احتجاجية ضد أحد محلات المنتجات الجنسية الذي قرر أن يفتتح أبوابه أمام مخرج الطريق السريع لبلدتهم ، في محاولة لإضعاف الاقبال على المتجر و إجبار صاحبه على إغلاقه تفادياً للخسائر. و جاء اليوم المشهود و وقفت صديقتي ضمن مجموعة من المسيحين المتحمسين على الجانب الاخر من الطريق الذي يقع به المحل تحمل لافتات تدين ما يبيعه ، و بعد انتهاء الوقت المتفق عليه للوقفة رجع كل منهم الى حال سبيله.   مرت أكثر من 25 سنة ، و مازال المحل قائماً رغم محاولات أبناء الرب المخلصة لإغلاقه. لا أستطيع أن أحدد عدد المرات التي تذكرت فيها هذه القصة في الفترة الأخيرة ، اخرها مع فتاة سقارة . و قبلها مع فيديو الراقصة البرازيلية ، و قبلها مع فستان الممثلة رانيا يوسف ، و قبلها و بعدها عشرات المرات التي لا تعد و لا تحصى عندما قامت فيها دولة بعراقة "مصر" ممثلة في أجهزتها الأمنية و القضائية في ملاحق...