Skip to main content

وطن و منفى و ملكان صغيران


فيكتور عمانويل الثالث الى اليمين
إنه العام 1946 ....العالم مازال يحاول الاستفاقة من اثار حرب مدمرة راح ضحيتها الملايين . اختبرت البشرية لأول مرة في تاريخها السلاح النووي الذي كاد أن يمحي دولة الساموراي في أقصى الشرق من على الخريطة تماماً .و في أوروبا يتنافس الحلفاء المنتصرون (أمريكا-بريطانيا -فرنسا و معهم الاتحاد السوفيتي) على تقسيم تركة النازي الألماني في أنحاء القارة العجوز. بينما يصارع النظام السياسي في حليفته الفاشية "إيطاليا"  من أجل البقاء ...بل و تصارع الدولة الوليدة في الأساس (توحدت إيطاليا عام  1861) من أجل الحفاظ على كيانها .بعد ما دمرتها تماماً طموحات ديكتاتور مجنون ضخم الجثة عالي الصوت ذو كاريزما لا تضاهى هو الدوتشي "بينيتو موسوليني" و تخاذل و خضوع رجل قصير ضئيل البنية هو الملك (الصغير) فيكتور عمانويل الثالث* .

بينيتو موسوليني
الثابت تاريخياً أن إيطاليا لم تنجح طوال الحرب العالمية في أي معركة كبرى إلا بمساعدة النازيين ، قد يكون الاستثناء الوحيد لذلك هو احتلاله ل"ليبيا" ، إذ أن حتى احتلال "أثيوبيا" تم بعد مجازر وحشية تعرض لها السكان الأصليون باستخدام غاز الخردل .و لكن المثير للدهشة و التعجب أن المملكة الايطالية هي تقريباً الدولة الوحيدة من الدول الرئيسية المتحاربة في الحرب العالمية الثانية التي عانت من ويلات "حرب أهلية" في نفس وقت اندلاع الحرب !!! حدث هذا في  الفترة من سبتمبر 1943 و حتى مايو 1945 بين الفاشيين المناصرين لموسوليني و المحور(ايطاليا الفاشية-ألمانيا النازية) و مناصري الملك و معارضي الفاشية من ناحية أخرى برعاية الحلفاء (و على رأسهم الولايات المتحدة) .ينظر بعض المؤرخين لإيطاليا كأحد أسباب فشل قوات المحور في الحرب العالمية الثانية لأنها لم تكن الحليف الذي يمكن الاعتماد عليه و بالذات لتحقيق طموحات طاغية مهووس مثل "هتلر" ، بل إن من أشهر النكات التي يتبادلها أي  ألماني مع  ياباني حول العالم هي (سنفعلها المرة القادمة ..و لكن بدون الايطاليين !!!! ) .و إذ انتهت الحرب بتدمير شامل لليابان و غزو لألمانيا من جميع الاتجاهات ...فإن "إيطاليا" لم تكن أحسن حظاً ..فلم يتوقف الأمر فقط عند غزو الحلفاء لكامل الأراضي الإيطالية( بدءاً من جزيرة صقلية في العام 1943) و إنما -و بسبب ما حدث من انقسام في البلاد جراء الحرب الأهلية- الى اجراء استفتاء عام في أنحاء البلاد في العام 1946 حول إذا ما كان الاستمرار في نظام الملكية الدستورية الحالي أو الانتقال الى النظام الجمهوري ، وجاءت النتيجة في الثاني من يونيو بنفس العام ....لقد اختارت ايطاليا الجمهورية ..و أصبح ملكها صاحب المتر و ثلاثة و خمسون سنتيمتر طولاً ملكاً بلا مملكة ...و بلا عرش !


يتنازل عمانويل عن العرش لابنه صاحب ال42 عاماً "أومبرتو الثاني" لا لشيء إلا لجعل اخر لحظات أسرة سافوي الحاكمة في ايطاليا أكثر شرفاً و قبولاً من العامة الذين لم ينسوا لعمانويل ضعفه الذي أودى بالبلاد الى الهاوية.و يغادر من الباب الخلفي الى منفاه ليكتب اخر صفحات كتاب حياته و حياة المملكة الايطالية...الى مدينة الاسكندرية المصرية ..بدعم و ترحيب ملك مصر الشاب "فاروق الأول" ...نفس المكان الذي وصله يوماً أجداده غزاة و لكنهم وقعوا في حب ملكة فاتنة غيرت من تاريخ بلادهم قبل بلادها....يظل عمانويل فيه أقل من عام ثم يموت و يدفن في كنيسة سانت كاترين هناك.....و يطلق اسمه على أحد أهم و أكبر ميادين المدينة...ميدان فيكتور عمانويل في منطقة سموحة .


فاروق وقت توليه العرش و كان عمره أقل بقليل من 16 سنة
لم تمض 5 سنوات على وفاة الملك الايطالي الصغير ، و كنتيجة مباشرة لتبعات الحرب الذي خسرها يقوم انقلاب عسكري في منفاه -مصر- و يتكرر نفس سيناريو في وطن الملك الشاب صغير السن فاروق (كان عمر فاروق حوالي 32 سنة وقت نفيه ) فيجبر على التنازل على عرشه لابنه أحمد فؤاد ...و يشاء القدر في سخرية مريرة أن يكون منفاه هو وطن ضيفه القديم....مدينة التلال السبعة....روما عاصمة المملكة الايطالية قديماً و عاصمة الجمهورية الايطالية الان.مكث فاروق في روما كمقر اقامة دائم (مع بعض الرحلات في جميع أنحاء أوروبا على فترات) لمدة تزيد عن ال 13 عاماً حتى يموت هو أيضاً في منفاه الايطالي عام 1965 لتنتهي بذلك تماماً الملكية المصرية الوليدة  فوق الأراضي الايطالية كما انتهت نظيرتها الايطالية على الثغر المصري قبلها بـ 18 عاماً.



_________________________________________________________________
*عمانويل هي الأصل العبري للاسم اللاتيني Emanuel بمعنى "معنا الله".

Comments

Popular posts from this blog

الدرس انتهى لموا الكراريس- ذكرى بحر البقر

في مثل هذا اليوم منذ ٤٠ عاماً...بالتحديد في الثامن من ابريل عام ١٩٧٠ .....قامت الطائرات الاسرائلية بقصف مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر مما أدى إلى استشهاد نحو ثلاثين طفل لا يتعدى عمرهم ال ١٠ أعوام إصابة أكثر من خمسين طفلاً بجروح وإصابات بالغة خلفت عدداً من المعوقين.. فقط نذكر بهذا اليوم حتى لا ننسى الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال في قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الاطفال ايه رايك في البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى دى لطفلة مصرية سمرا كانت من اشطر تلاميذى دمها راسم زهرة راسم راية ثورة راسم وجه مؤامرة راسم خلق جبارة راسم نار راسم عار ع الصهيونية والاستعمار والدنيا اللى عليهم صابرة وساكتة على فعل الاباليس الدرس انتهى لموا الكراريس ايه رأى رجال الفكر الحر في الفكرة دى المنقوشة بالدم من طفل فقير مولود في المر لكن كان حلو ضحوك الفم دم الطفل الفلاح راسم شمس الصباح راسم شجرة تفاح في جناين الا...

انتظار بلا منتَظَر - (إكتب)

- أريد أن آكتب. - إذاً فلتكتب. لا تهم المسميات. إكتب. عبر عما بداخلك. إترك بصمتك في الحياة. قيمة الإنسان -كما أعتقد- في الفرق الذي يحققه في حياة الآخرين. الكتابة هي أحد سبل تحقيق ذلك إكتب. تخلص من الجلد الدائم للذات و تسفيه أفكارك و آرائك و أسلوبك. لعلك جيد فيما تظن نفسك فيه سيئا. لديك شيئا تضيفه فضفه ! هل هناك طريقة أخرى لاختبار الأفكار والخيالات سوى عرضها على المشاع ؟ بتلاقيها مع أفكار و أراد غيرك قد تستطيع بالفعل أن تقترب من كشف قيمتها. إكتب و تخلص من جبنك و حساسيتك. الحياة تحتاج جلدا سميكا. واجه الحياة بكتاباتك. إذا أردت أن تتقدم و تتطور فلا مجال إلا اختبار أفكارك و تفكيرك. اخرج من سجن عقلك. اكتب ..و دع الحكم للآخر.  إكتب. لن تعجب الجميع ، و لربما لن تعجب أحداً على الإطلاق. و لكنك ستكتب. لأنها طريقتك في إثبات وجودك. طريقتك في البحث عن هوية. اكتب لأنك تعبت من الانتظار. انتظار عبثي لا طائل منه. انتظار لوقت "مناسب" - أيا كان ما يعني ذلك ! - أو انتظار فكرة "مناسبة" أو انتظار  حدث يستفز -فيما تتوهم- قريحتك الفكرية على أمل أن تأتي بما لا جاء به من قبلك. إكتب. لأنه في...

قانون سقارة

  تروي لي صديقتي الأمريكية أحد ذكرياتها طفولتها البعيدة في إحدى البلدات الصغيرة في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي ، عندما أجبرها جدها و هي بعد لم تتم السادسة من عمرها أن تشارك معه و مع أصدقائه المتحمسين من الكنيسة في وقفة احتجاجية ضد أحد محلات المنتجات الجنسية الذي قرر أن يفتتح أبوابه أمام مخرج الطريق السريع لبلدتهم ، في محاولة لإضعاف الاقبال على المتجر و إجبار صاحبه على إغلاقه تفادياً للخسائر. و جاء اليوم المشهود و وقفت صديقتي ضمن مجموعة من المسيحين المتحمسين على الجانب الاخر من الطريق الذي يقع به المحل تحمل لافتات تدين ما يبيعه ، و بعد انتهاء الوقت المتفق عليه للوقفة رجع كل منهم الى حال سبيله.   مرت أكثر من 25 سنة ، و مازال المحل قائماً رغم محاولات أبناء الرب المخلصة لإغلاقه. لا أستطيع أن أحدد عدد المرات التي تذكرت فيها هذه القصة في الفترة الأخيرة ، اخرها مع فتاة سقارة . و قبلها مع فيديو الراقصة البرازيلية ، و قبلها مع فستان الممثلة رانيا يوسف ، و قبلها و بعدها عشرات المرات التي لا تعد و لا تحصى عندما قامت فيها دولة بعراقة "مصر" ممثلة في أجهزتها الأمنية و القضائية في ملاحق...