Skip to main content

ذات ليلة وترية



مشهد (1) – ليل داخلي-غرفة الأم

( ضوء خافت في غرفة النوم-الأم تستلقي على سريرها-يرتسم على وجهها علامات الهم و الحزن )

الأم (محدثة نفسها ) : لا أدري ماذا أصابه ...هو لا يُظهر و لا يتكلم...أكاد أموت قلقا عليه ...شارد مهموم طوال الوقت ...حتى أثناء الإفطار لا يفتح فاه بأي كلمة ..يرد علي و على أختي بكلمات مقتضبة سخيفة لا طعم فيها و لا رائحة ....بل أن أخته الصغيرة قد اشتكت لي من معاملته الجافة لي منذ فترة ...لعله الصيام في ذلك الحر القائظ ...أو لعلها معاناته من زحام خانق رائحاً كان أو غادياً من عمله البعيد ...نعم ...نعم إنها معاناة الصيام ....لا أدري ...شيئاً ما في قلبي يخبرني أن لا ...ثم ما سر تلك الموسيقى الغريبة التى أضحى يسمعها و يرددها ليل نهار ...يبدو لي غارقا في بئر لا قرار له من الاكتئاب ...يا ترى ما يضنيك يا ولدي ؟؟؟مم تتعذب ؟؟؟ ..ثم لماذا توقفت عن النزول لصلاة العشاء و التراويح في المسجد ؟؟....لقد كان هذا دئبك منذ سنين ...و مالي أراك لا تصلي ؟؟؟...و صوتك العذب في ترتيل ايات الله ..لماذا ضننت به علينا .....أعلم أنك كبرت الان و ليس لي أن أقول لك أن تفعل كذا ....بل و أخاف من رد فعلك ..و أخاف أكثر من أن تكون كلماتي لطمات تزيد سباحتك في هذه الموجة العاتية من الحزن صعوبة ...بدلاً من أن تمد لك يد العون ....كبرت يا ولدي و أصبحت رجلاً و أنا مازلت أخاف عليك كطفل صغير ....فماذا بك يا ولدي ؟؟؟بالله عليك ماذا بك "

(الضوء الخافت ينحسر ببطء مع تساؤلات الأم )

************************

مشهد (2) – ليل داخلي-غرفة الابن

(جميع غرف البيت مظلمة عدا غرفة الابن )

يمر الابن بسرعة على غرف البيت الواحدة تلو الأخرى ليتأكد من خلود جميع أفراد أسرته للنوم ...يتجه في هدوء الى الحمام فيتوضأ ثم يرجع الى غرفته يصلي بضع ركعات ثم يتناول كتاب الله فيقرأ فيه في خشوع حتى تنساب دموعه ...ينظر لسقف الغرفة بعين يملؤها الرجاء ...يتمتم بكلمات لا تسمع منها إلا كلمة "يا رب" ...ينتهي من صلاته و قراءته فيتجه الى مفتاح النور في غرفته ليغلقه و يتجه الى سريره .

(نسمع صوت غلق مفتاح النور و يغرق المشهد كله في ظلام و صمت )

************************
مشهد (3) – نهار خارجي-المقابر

تتوافد الأفواج من رجال و نساء على المقابر لحضور مراسم دفن الابن ،الأخت في خلفية المشهد غارقة بين بكاء و نحيب ...و النسوة يحتضنون الأم في شفقة الواحدة تلو الأخرى ...

"البقاء لله يا حاجة"

"شدي حيلك ...الأعمار بيد الله"
"الولد اتخطف...لا حول ولا قوة إلا بالله "

"تذكري أن الله توفاه في أيام مباركة ...اللهم ارزقنا حسن خاتمته "

(الأم تنظر للأفق في ذهول و هي لا تكاد تسمع أو تعي ما يدور حولها )

تحتضنها احدى صديقاتها و ترجوها : "خليكي مؤمنة " و تحاول زحزحتها من مكانها برفق ....تلقي الأم نظرة أخيرة على جثمان ولدها ...الكاميرا تقترب ببطء من وجه الأم ..تنسحب الضوضاء و الجلبة برفق من المشهد و لا يُسمع سوى صوت الأم و هي تناجي نفسها

"لماذا لم تنبهيه ؟؟؟؟لماذا تركتيه لاكتئابه و تفريطه حتى نسى دينه و ربه ؟؟؟لماذا ؟؟؟؟لماذا جبنت عن مساعدته ؟؟؟ماذا يقول الان أمام رب فرط في حقه أمام عينيكي كل يوم ...لماذا خفت من مواجهته الأن ....ليتني تكلمت ...ليتني حتى قسوت عليه ....ليتني لم أرتكن لما علمته إياه صغيراً و ظننته كافيا .....لماذا خرست ؟؟؟....لماذا .؟؟؟؟!!!!!!!"

(الكاميرا تنسحب من على وجه الأم في هدوء الى فضاء المقابر من حولها ...و في ركن الصورة تظهر سواد ملابس السيدات حول قبر الأبن ...حتى تركز على وردة حمراء زاهية نمت في أخر نبات صبار متوار في الظلال خلف جميع المتواجدين في المشهد )

************************



تمت

Comments

  1. عجبنى اوى ازاى بتعرف تبتدى حاجة من الواقع و تكمله الى الخيال فى ترابط.
    و لو انا فهمت النهاية صح يبقى نفسى الام تشوف الوردة بجوار قبر ابنها لتعلم ان له عملا صالحا قبل مماته يزكيه عند الله

    اللهم ارزقنا حسن الخاتمة

    ReplyDelete
  2. Hi Anonymous !
    Thx alot for ur comment...I really wanna know who u really are ....

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

الدرس انتهى لموا الكراريس- ذكرى بحر البقر

في مثل هذا اليوم منذ ٤٠ عاماً...بالتحديد في الثامن من ابريل عام ١٩٧٠ .....قامت الطائرات الاسرائلية بقصف مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر مما أدى إلى استشهاد نحو ثلاثين طفل لا يتعدى عمرهم ال ١٠ أعوام إصابة أكثر من خمسين طفلاً بجروح وإصابات بالغة خلفت عدداً من المعوقين.. فقط نذكر بهذا اليوم حتى لا ننسى الدرس انتهى لموا الكراريس بالدم اللى على ورقهم سال في قصر الأمم المتحدة مسابقة لرسوم الاطفال ايه رايك في البقع الحمرا يا ضمير العالم يا عزيزى دى لطفلة مصرية سمرا كانت من اشطر تلاميذى دمها راسم زهرة راسم راية ثورة راسم وجه مؤامرة راسم خلق جبارة راسم نار راسم عار ع الصهيونية والاستعمار والدنيا اللى عليهم صابرة وساكتة على فعل الاباليس الدرس انتهى لموا الكراريس ايه رأى رجال الفكر الحر في الفكرة دى المنقوشة بالدم من طفل فقير مولود في المر لكن كان حلو ضحوك الفم دم الطفل الفلاح راسم شمس الصباح راسم شجرة تفاح في جناين الا...

انتظار بلا منتَظَر - (إكتب)

- أريد أن آكتب. - إذاً فلتكتب. لا تهم المسميات. إكتب. عبر عما بداخلك. إترك بصمتك في الحياة. قيمة الإنسان -كما أعتقد- في الفرق الذي يحققه في حياة الآخرين. الكتابة هي أحد سبل تحقيق ذلك إكتب. تخلص من الجلد الدائم للذات و تسفيه أفكارك و آرائك و أسلوبك. لعلك جيد فيما تظن نفسك فيه سيئا. لديك شيئا تضيفه فضفه ! هل هناك طريقة أخرى لاختبار الأفكار والخيالات سوى عرضها على المشاع ؟ بتلاقيها مع أفكار و أراد غيرك قد تستطيع بالفعل أن تقترب من كشف قيمتها. إكتب و تخلص من جبنك و حساسيتك. الحياة تحتاج جلدا سميكا. واجه الحياة بكتاباتك. إذا أردت أن تتقدم و تتطور فلا مجال إلا اختبار أفكارك و تفكيرك. اخرج من سجن عقلك. اكتب ..و دع الحكم للآخر.  إكتب. لن تعجب الجميع ، و لربما لن تعجب أحداً على الإطلاق. و لكنك ستكتب. لأنها طريقتك في إثبات وجودك. طريقتك في البحث عن هوية. اكتب لأنك تعبت من الانتظار. انتظار عبثي لا طائل منه. انتظار لوقت "مناسب" - أيا كان ما يعني ذلك ! - أو انتظار فكرة "مناسبة" أو انتظار  حدث يستفز -فيما تتوهم- قريحتك الفكرية على أمل أن تأتي بما لا جاء به من قبلك. إكتب. لأنه في...

قانون سقارة

  تروي لي صديقتي الأمريكية أحد ذكرياتها طفولتها البعيدة في إحدى البلدات الصغيرة في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي ، عندما أجبرها جدها و هي بعد لم تتم السادسة من عمرها أن تشارك معه و مع أصدقائه المتحمسين من الكنيسة في وقفة احتجاجية ضد أحد محلات المنتجات الجنسية الذي قرر أن يفتتح أبوابه أمام مخرج الطريق السريع لبلدتهم ، في محاولة لإضعاف الاقبال على المتجر و إجبار صاحبه على إغلاقه تفادياً للخسائر. و جاء اليوم المشهود و وقفت صديقتي ضمن مجموعة من المسيحين المتحمسين على الجانب الاخر من الطريق الذي يقع به المحل تحمل لافتات تدين ما يبيعه ، و بعد انتهاء الوقت المتفق عليه للوقفة رجع كل منهم الى حال سبيله.   مرت أكثر من 25 سنة ، و مازال المحل قائماً رغم محاولات أبناء الرب المخلصة لإغلاقه. لا أستطيع أن أحدد عدد المرات التي تذكرت فيها هذه القصة في الفترة الأخيرة ، اخرها مع فتاة سقارة . و قبلها مع فيديو الراقصة البرازيلية ، و قبلها مع فستان الممثلة رانيا يوسف ، و قبلها و بعدها عشرات المرات التي لا تعد و لا تحصى عندما قامت فيها دولة بعراقة "مصر" ممثلة في أجهزتها الأمنية و القضائية في ملاحق...